عالمٌ يولد من الانقسام: من الأحادية الأمريكية إلى التعددية القلِقة

Advertisements

عالمٌ يولد من الانقسام: من الأحادية الأمريكية إلى التعددية القلِقة

داود الجنابي

الاعلام المخطوف

في هذه اللحظة الدقيقة من التاريخ العالمي، يبدو العالم وكأنه على مفترق طرق. لم يعد النظام الدولي كما كان مألوفاً منذ نهاية الحرب الباردة. حين كانت الهيمنة الأمريكية شبه مطلقة. وأوروبا حليفة مطيعة، وبقية دول العالم متلقية للسياسات الكبرى أو هامشية في صناعة القرار. اليوم، تتبدل المعايير: أوروبا تتحدى واشنطن اقتصادياً واستراتيجياً. الصين تصعد صامتة وقوية.وإيران تثبت أنها ليست دولة هامشية بل لاعب محوري.فيما الجنوب العالمي يسعى لإعادة رسم دوره وموازين نفوذه.

ما نراه ليس مجرد سلسلة أزمات سياسية أو اقتصادية متفرقة. بل ولادة عالم جديد من الانقسام . عالم تتحرك فيه القوى الكبرى وفق مصالحها المباشرة . حيث تصبح القوة الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية أدوات صراع أكثر من كونها ضماناً للسلام.

إن قراءة هذه التحولات لا تكفي معها متابعة الأخبار اليومية. بل تتطلب تأملاً عميقاً في تحوّل موازين القوة بين الغرب والشرق والجنوب العالمي.وهو الإطار الذي يحكم الصراعات الجديدة ويعيد رسم الخرائط الاقتصادية والسياسية، وربما يعيد تعريف مفهوم السيادة والدبلوماسية والأمن في القرن الحادي والعشرين.


عالمٌ يولد من الانقسام: تصدّع الغرب — أوروبا وأمريكا على مفترق الطرق

الأزمة الحالية بين واشنطن وبروكسل ليست مجرد خلاف تجاري عابر، بل تعبير عن تحوّل أعمق في طبيعة العلاقات داخل المعسكر الغربي نفسه. تهديدات الرسوم الجمركية الأمريكية ضد دول أوروبية كبرى، على خلفية ملف جرينلاند الاستراتيجي، تكشف عن أزمة ثقة بين الحليف التقليدي والقيادة الأمريكية.

غرينلاند ليست مجرد جزيرة نائية؛ إنها منطقة استراتيجية في قلب القطب الشمالي، حيث تتقاطع مصالح الطاقة والممرات البحرية والسيادة العسكرية. إعلان الولايات المتحدة إمكانية شراء أو السيطرة الاقتصادية عليها يمثل رسالة واضحة بأن واشنطن لم تعد تعتبر أوروبا شريكاً متساوياً، بل طرفاً يمكن ضغوطه سياسياً واقتصادياً.

الرد الأوروبي يعكس تحوّلاً تاريخياً في الموقف: أوروبا تسعى اليوم إلى استقلال استراتيجي أكبر، سواء في الدفاع أو الطاقة أو الصناعة، مع التمسك بالتحالف مع الولايات المتحدة ولكن بشروط. صندوق الدفاع الأوروبي، تطوير الصناعات العسكرية المحلية، وتوسيع قدرات الطاقة المتجددة كلها أمثلة على رغبة القارة في التحرر النسبي من الهيمنة الأمريكية.

هذه التوترات تضع الناتو أمام اختبار حقيقي. فإذا كانت أوروبا والولايات المتحدة تتنازعان اقتصادياً بهذا الشكل، فكيف ستتصرّف في لحظة أزمة أمنية كبرى؟ يبدو أن النظام العالمي الجديد سيشهد صعود التحالفات المرنة والمتغيرة أكثر من التحالفات الثابتة.


إيران وحدود القوة الأمريكية

الأزمة الإيرانية تعكس بشكل جلي محدودية القدرة الأمريكية على فرض إرادتها في عالم متغير. لم تعد واشنطن تستطيع إسقاط أنظمة أو فرض اتفاقات وفق شروطها المطلقة كما في العقود السابقة، فالتحولات الاقتصادية والسياسية العالمية أعادت تشكيل موازين القوة.

إيران اليوم، رغم العقوبات المستمرة والضغوط الأمريكية، لم تنهار اقتصادياً أو سياسياً. الصين وروسيا وفرتا لطهران نافذة للبقاء الاقتصادي والسياسي، فيما تظهر إيران كدولة محورية في أي معادلة إقليمية مستقبلية.

الطبيعة الجديدة للصراعات تتركز على الحروب منخفضة الشدة، الصراعات بالوكالة، والضغط الاقتصادي والسياسي بدلاً من المواجهة العسكرية المباشرة. ما نشاهده في سوريا، العراق، واليمن يعكس هذه الديناميكية: اشتباكات طويلة الأمد وتدخلات خارجية غير مباشرة تعيد صياغة النظام الإقليمي.


صعود الشرق — الصين كمحرك عالمي

بينما يتصدّع الغرب ويواجه حدود قوته، تصعد الصين بهدوء. “مبادرة الحزام والطريق” لم تكن مجرد مشروع اقتصادي بل رؤية جيوسياسية لإعادة توزيع النفوذ العالمي بعيداً عن الهيمنة الغربية التقليدية.

الصين تنافس الولايات المتحدة ليس فقط عسكرياً بل اقتصادياً وتكنولوجياً. السيطرة على شبكات الذكاء الاصطناعي، أشباه الموصلات، والبنية التحتية الرقمية، تجعل الصين قوة مؤثرة على جميع مستويات النظام الدولي. في الوقت نفسه، تحاول بكين بناء نظام مالي جزئي مستقل يقلل الاعتماد على الدولار، مع توسيع نفوذها في مجموعة بريكس.

الصين لا تسعى إلى تفكيك النظام الدولي القائم، بل إلى إعادة تشكيله لصالحها كقطب متساوٍ مع الولايات المتحدة وأوروبا، مما يخلق تعددية مركزية متوازنة نسبياً في النظام العالمي الجديد.


عالمٌ يولد من الانقسام: الجنوب العالمي — إعادة رسم الدور والهامش

الدول الواقعة في الجنوب العالمي، من آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، بدأت تتحرر من تبعية القرارات الكبرى، وتختار شراكاتها وفق مصالحها المباشرة. الهند، على سبيل المثال، شريك أمني مهم للغرب في مواجهة الصين، لكنها في الوقت ذاته تشتري النفط الروسي وتتعاون اقتصادياً مع بكين.

في أفريقيا، تتنافس الصين، الولايات المتحدة، روسيا، وتركيا على النفوذ، عبر الاستثمار والبنية التحتية والدبلوماسية، مما يجعل القارة فاعلة بشكل متزايد في النظام العالمي الجديد. هذه التحولات تعني أن المستقبل لن يهيمن عليه قطب واحد، بل سيكون عالم متعدد الأقطاب متنازعاً ولكنه مرن نسبياً.


الوطن العربي — من ساحة صراع إلى فاعل توازن

العالم العربي لم يعد مجرد ساحة لصراعات القوى الكبرى، بل أصبح يمتلك القدرة على أن يكون فاعلاً مهماً في التوازن الدولي، خصوصاً عبر الطاقة، المواقع الجغرافية، والممرات البحرية الحيوية.

الخليج العربي مثال واضح: السعودية، الإمارات، وقطر تبنون شراكات متوازنة مع الولايات المتحدة من الناحية الأمنية، ومع الصين وروسيا اقتصادياً واستراتيجياً. كما أن الوساطات الخليجية في النزاعات الإقليمية، والاستثمارات السيادية الكبيرة، تظهر تحولاً تدريجياً من التابع إلى الفاعل.

تظل المنطقة العربية معرضة للصراعات بالوكالة، خصوصاً في اليمن وسوريا ولبنان، لكن التوجه العام نحو إعادة تعريف السيادة والمصالح الوطنية يعكس وعي النخب السياسية بموازين القوة العالمية الجديدة.


ملامح النظام العالمي الجديد

من خلال قراءة كل هذه التحولات، يمكن تحديد خمس سمات رئيسية للنظام العالمي الجديد:

  1. تعددية قطبية حادة: لا هيمنة مطلقة، بل تنافس بين الولايات المتحدة، الصين، روسيا، أوروبا، وقوى إقليمية صاعدة.
  2. اقتصاد مسيّس: التجارة وسلاسل الإمداد تصبح أدوات ضغط سياسية واستراتيجية.
  3. تكنولوجيا كسلاح استراتيجي: السيطرة على البيانات، الشبكات، والرقائق تتحوّل إلى عنصر قوة مركزي.
  4. تحالفات مرنة ومتغيرة: الدول تتحالف حسب الملفات وليس الأيديولوجيا.
  5. حروب منخفضة الشدة: صراعات طويلة الأمد عبر الوكلاء والأدوات الاقتصادية والتكنولوجية بدلاً من المواجهة المباشرة.

إن العالم الحالي على أعتاب مرحلة تاريخية جديدة: عالم أقل استقراراً ولكنه أكثر تعددية وتعقيداً. تصدّع الغرب، صعود الشرق، فاعلية الجنوب، وأدوار متغيرة للعالم العربي، كل ذلك يشير إلى ولادة نظام عالمي جديد، ليس مكتوباً أو منظماً بشكل كامل، لكنه يُصاغ الآن من خلال الأزمات والتوازنات الجديدة.

إن فهم هذه التحولات لا يقتصر على متابعة الأخبار اليومية، بل يتطلب قراءة عميقة ومراقبة دؤوبة لمؤشرات القوة السياسية، الاقتصادية، والتكنولوجية. الدول التي ستنجح في المستقبل لن تكون الأقوى عسكرياً فقط، بل الأكثر قدرة على الموازنة بين الأقطاب والتحرك بمرونة وحكمة في عالم متشابك ومعقّد.

كلمات مفتاحية رئيسية (Primary Keywords)

Exit mobile version